لماذا قالت مريم ولم يمسسني بشر
الآية التي فيها قول مريم عليها السلام هي:
﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ
بَغِيًّا﴾ [مريم: 20].
المعنى المباشر لعبارتها
- مريم تتعجّب: كيف يكون لها ولد، وهي عذراء طاهرة لم تتزوّج ولم تقع في الفاحشة، لذلك قالت: «ولم يمسسني بشر» أي لم يجامعني رجل بنكاح ولا حرام.
- جملة «ولم أكُ بغيًّا» جاءت تأكيدًا لنفي الحرام خاصة، فصار كلامها نفيًا لكل طريق معروف لوجود الولد: زواجًا أو زنا.
لماذا قالت «بشر» لا «رجل»؟
المفسرون ودارسو البلاغة يلفتون إلى لطائف في اختيار لفظ بشر هنا، من أبرزها:
- التعبير عن المسّ الجسدي
- كلمة بشر مشتقة من البَشَرة (جلد الإنسان)، فهي أنسب ما يكون في مقام الحديث عن المسّ الجسدي ، لأن المس يكون للجلد مباشرة.
* مريم هنا تنفي أصل العلاقة الجسدية ذاتها، فكأنها تقول: لم يمسّ جلدي جسدَ أي إنسان، وهذا أنسب من قول «رجل» من جهة التصوير الجسدي الدقيق.
- عموم النفي لا يقتصر على الزوج
- لفظ بشر أعمّ من رجل ؛ فهو يشمل كل إنسان ذكرًا كان أو أنثى، حُرًّا أو عبدًا، زوجًا أو غيره، فيُفهم منه نفي أي صورة من صور الاتصال البشري المفضي للحمل.
* بهذا لا يبقى في الكلام أي احتمال لتوهّم نوع مخصوص من العلاقة، بل النفي شامل لكل البشر.
- مراعاة تناسق الألفاظ في السياق
- في نفس قصة مريم جاء التعبير عن جبريل عليه السلام بـ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾، ثم جاء ردّها ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، فحصل نوع من التناسق اللفظي بين بشرًا سويًّا و لم يمسسني بشر.
* هذا التناسق من دلائل دقة اختيار الألفاظ في القرآن، بحيث تأتي الكلمة الواحدة ملائمة للمعنى والسياق معًا.
علاقة الجملة بإظهار الطهر والعصمة
- مريم عليها السلام أرادت تأكيد طهرها بأقوى أسلوب بياني؛ فنفت مسّ البشر كلّه، ثم نفَت أن تكون بغيًّا، فجمعت بين نفي الفعل ونفي الوصف.
- هذا الأسلوب يهيّئ نفس السامع لتقبّل المعجزة، إذ يظهر أوّلًا أن كل الأسباب العادية منفية، ثم يأتي الجواب الإلهي: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾.
من زاوية الإعجاز البلاغي
- يذكر أهل الإعجاز أن كلمة بشر هنا تخدم ثلاثة مقاصد في آن واحد:
- تناسب المسّ الجسدي (من البَشَرة).
- شمول النفي لكل إنسان.
- التناسق مع قوله ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ في نفس القصة.
- اجتماع هذه المعاني في لفظة واحدة مع بقاء العبارة قصيرة وواضحة يعدّه البلاغيون من دقّة الأسلوب القرآني.
بهذا يتبيّن أن قول مريم: «ولم يمسسني بشر» ليس مجرد تعبير عابر، بل اختيار لفظي دقيق يجمع بين بيان العفّة، ونفي كل سبب عادي للحمل، وإبراز المعجزة في خلق عيسى عليه السلام.