لماذا قالت مريم لم يمسسني بشر ولم تقل رجل
الآية وردت بلفظ: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ في موضعين من القرآن (سورة مريم وآل عمران)، واختيار كلمة بشر بدل رجل من أدق لمسات البيان القرآني كما يذكر أهل التفسير وعلوم البلاغة.
المعنى اللغوي والسياق القرآني
- كلمة بشر في العربية أعمّ من كلمة رجل ، فهي تشمل كل إنسان ذي جسد من لحم ودم: ذكرًا أو أنثى، كبيرًا أو صغيرًا، زوجًا أو غير زوج.
- بهذا اللفظ صار نفي مريم عليها السلام نفيًا عامًا لأي تماس جسدي يمكن أن يفضي إلى حمل، سواء في إطار النكاح الحلال أو في إطار الحرام، ولذلك عقّبت بقولها: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ لتقطع شبهة الزنا أيضًا.
لماذا ليست كلمة «رجل»؟
- كلمة رجل تنصرف في الذهن إلى الذكر البالغ مكتمل الرجولة، ولا تعطي نفس عموم كلمة بشر التي تتناول الإنسان من جهة جسده دون تقييد ببلوغ أو زواج أو غيره.
- لو قيل: لم يمسسني رجل لاحتمل الكلام نفي مسّ نوع معين من الذكور دون أن يصل في القوة إلى نفي أي علاقة جسدية مع أي إنسان، بينما المقصود هنا نفي كل سبب بشري معتاد لوجود الولد، لأن عيسى عليه السلام جاء معجزة بلا أب.
التناسب بين «بشر» و«يمسسني»
- لفظ بشر مشتق من البشرة أي الجلد، ولفظ المس في قوله ﴿يَمَسَّسْنِي﴾ يتعلق بالاتصال الجسدي الذي يكون بين الأبدان والبشرات.
- لذلك كان اختيار كلمة بشر أنسب من جهة التصوير البلاغي؛ لأنه يجمع بين دلالة الجسد (البشرة) ودلالة المس الجسدي، فيصوّر نفي أي تماس بدني يؤدي للحمل بأبلغ صورة.
بلاغة العموم ونفي الشبهة
- باستعمال بشر تحقق معنيان معًا:
- نفي كل علاقة جسدية بشرية ممكنة، فلا يُتوهم وجود أب خفي أو علاقة محرّمة.
2. إبراز جانب الإعجاز؛ فالحمل هنا وقع من غير أي سبب بشري، وإنما بأمر الله المباشر ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
لمحة من كلام المفسّرين والمعاصرين
- التفاسير التقليدية تشرح الآية بأن مريم تنفي أن يكون لها زوج أو أن تكون زانية، وهذا يتفق مع عموم لفظ بشر الذي يشمل الزوج وغيره.
- بعض الباحثين المعاصرين في الإعجاز البياني يشيرون إلى ثلاثة أبعاد في اختيار بشر :
- عموم النفي لكل إنسان.
- التناسب مع المس والبشرة.
- انسجام اللفظ مع السياق الذي ذُكر فيه تمثّل جبريل لها «بشرًا سويًّا»، ثم البشارة بالغلام، ثم ردّها بلفظ «بشر» نفسه، فيتحقق نوع من الانسجام الصوتي والدلالي في المقطع كله.
الخلاصة: قالت مريم عليها السلام «لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ» ولم تقل «رجل» لأن «بشر» أعم وأبلغ في نفي أي علاقة جسدية مع أي إنسان، وهو أنسب لسياق المسّ الجسدي وإبراز طهارتها ومعجزة حملها بعيسى عليه السلام بلا أب بشري.
Information gathered from public forums or data available on the internet and portrayed here.