سورة التوبة هي السورة الوحيدة في المصحف التي لم تُفتتح بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»، وقد ذكر العلماء لذلك أكثر من تعليل، يجتمع أغلبها في محورين رئيسيين:

أولًا: لأنها نزلت بالبراءة والوعيد لا بالرحمة

  • أوّل آية في السورة:

﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
هذه بداية شديدة فيها إعلان البراءة من المشركين وإنهاء العهود، وفي آياتها تهديد ووعيد وفضح للمنافقين، وذكر للجهاد والقتال.

  • رُوي عن ابن عباس أنه سأل علي بن أبي طالب رضي الله عنهما: لمَ لمْ تُكتب في براءة «بسم الله الرحمن الرحيم»؟ فقال:

«لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان، وبراءة نزلت بالسيف، وليس فيها أمان».

  • فالمعنى: أن «بسم الله الرحمن الرحيم» جملة رحمة وأمان، وسورة التوبة مَطلعُها تهديد وقطع للعهد، فحُذفت البسملة حتى تُوافق طبيعة مضمون السورة الشديد.

ثانيًا: لأنها متصلة بسورة الأنفال

من الأقوال المشهورة أيضًا عند أهل العلم أن سورة التوبة متصلة بسورة الأنفال من حيث الموضوع، فكأنهما في حكم السورة الواحدة:

  • جاء عن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه – حين سُئل عن ذلك – أن الأنفال والتوبة متقاربتان في المعنى، ولم يثبت عند الصحابة نزول «بسم الله الرحمن الرحيم» فاصلًا بينهما، فوضعوهما متتابعتين في المصحف دون بسملة في أول التوبة.
  • كلا السورتين تتحدثان عن الجهاد وأحكام القتال ومعاملة الكفار والمنافقين، فلذا رأى الصحابة أن تُجعل التوبة بعد الأنفال مباشرة بلا بسملة، وكأنها تكملة لموضوعها.

هل يجوز أن أبدأ القراءة من وسط التوبة بالبسملة؟

  • أكثر أهل العلم يذكرون أن ترك البسملة خاصّ بأول السورة فقط.
  • فإذا قرأ المسلم من وسط سورة التوبة، فله أن يبسمل؛ لأن المنع إنما هو عن كتابة البسملة في أولها، لا عن ذكرها مطلقًا في أي موضع من آياتها.

ملخّص سريع (TL;DR)

  • سورة التوبة لم تُفتتح بـ«بسم الله الرحمن الرحيم» لأنها:
    1. سورة براءة ووعيد وفضح للمنافقين، وافتتاحها بالتهديد لا ينسجم مع «الرحمن الرحيم» التي هي صيغة أمان ورحمة.
2. متّصلة في المعنى والموضوع بسورة الأنفال، فكأنها تكملة لها، ولم يثبت نزول بسملة بينهما عند الصحابة، فوُضعت بعدها بلا بسملة.

«هذا أمرٌ تَوقيفي»؛ أي أن الصحابة لم يجتهدوا فيه من أنفسهم، بل وقفوا فيه عند ما ثبت عندهم من كيفية نزول السورة وترتيبها في المصحف.

ملاحظة أخيرة: ما اشتهر من هذه الأقوال هو بيان الحِكمة والمعنى، أمّا حقيقة السبب القطعي عند الله تعالى فتبقى من أسرار ترتيب كتابه الحكيم.